يتفق جميع الباحثين من المفكرين المتنورين وقادة المجتمع على أن التعليم العالي هو حجر الأساس في عملية البناء والتنمية وإنتاج النخب القادرة على بعث مجتمعاتها نحو الرقي والازدهار وتوعية الجماهير والعمل على الحفاظ على خصوصية وعبقرية المجتمعات وتنميتها نحو التطور والإبداع، ومواكبة التغير العلمي التكنولوجي والحضاري عن طريق تطوير أساليب التعليم وتبني أساليب تتواءم مع المتغيرات العالمية الجديدة .
وفي إطار هذا التوجه يضطلع مكتب التعليم العالي القطري بمسؤوليات جسام من خلال تطوير البنى التعليمية القائمة واستحداث أنماط جديدة ومتابعة تطويرها بقصد تطوير البنية المعرفية للمجتمع التعليمي في سورية من جهة وتلبية حاجة سوق العمل التي أخذت تتطور بصورة حثيثة تماشياً مع التطور العالمي من جهة أخرى بقصد مواكبة سورية لحركة التنمية والإنتاج ورفع المستوى الثقافي والمعاشي للمجتمع السوري بشكل عام.
ومن المنطلق ذاته عقد مكتب التعليم العالي القطري اجتماعاً لدراسة واقع التعليم المفتوح في الجامعات السورية ترأسه الدكتور ياسر حورية رئيس مكتب التعليم القطري وحضره الدكتور وزير التعليم العالي والسادة معاونو وزير التعليم العالي والسادة رؤساء الجامعات الحكومية الخمس والرفاق أمناء فروع الحزب في الجامعات، والزميل رئيس الاتحاد الوطني لطلبة سورية، والسادة عمداء الكليات في الجامعات المذكورة، إضافة إلى عدد من الأساتذة أصحاب الاختصاص.
لقد جاء افتتاح التعليم المفتوح في سورية كما هو معروف ليزيل حالة الاختناق وليؤمن نمطاً جديداً في التعليم إلى جانب التعليم التقليدي الذي تنتهجه الجامعات السورية منذ بداية تأسيسها وحتى الآن بهدف إيجاد فرص عمل للمتخرجين من هذا النظام ضمن كوادر القطاع الخاص كما هدف افتتاح التعليم المفتوح إلى إيجاد فرص تعليمية لأولئك الذين لم تتح ظروفهم حين حصولهم على الشهادة الثانوية لفرص تعليمية يرغبونها.
وعلى هذا الأساس فقد هدف التعليم المفتوح الى:
1- إعادة تأهيل أصحاب الشهادات والخبرات القديمة.
2- فتح فرص تعليمية لمن فاتته إمكانية الدراسة الجامعية.
3 - تنمية البنية المعرفية للمجتمع التعليمي السوري عن طريق كسر حدة شروط القبول الجامعي التي بقيت لسنين طويلة قاسية مانعة.
4- تخفيف عبء السفر لبعض الطلبة إلى خارج سورية للمتابعة الدراسية.
لكن هذه التجربة لم تخل من إشكالات ومصاعب جمة جاءت كلها نتيجة سرعة الافتتاح معتمدين على تجربة الشقيقة مصر وعدم توفر الكادر المؤهل، إضافة إلى عدم توفر الأمكنة والتجهيزات .
ولا اخرج عن المألوف إذ قلت أن البعض من أعضاء الهيئة التدريسية على قلة عددهم» الذين تحملوا مسؤوليات التدريس في هذا النمط الجديد، عد التعليم المفتوح ميداناً لكسب جديد له وإشغالا لبعض الطلبة بغير عناء كبير، فأداروا وعملوا واخرجوا كتباً بإعداد سريع وفق رؤيتهم المبتورة مستغلين رغبة قيادة الدولة والجامعات في إزالة القيود عن هذه التجربة الجديدة لضمان نجاحها.
الأمر الذي أثار الكثير من اللغط على مستوى التعليم في هذا النمط الجديد، إضافة إلى تساؤلات حول تعادل شهادات التعليم المفتوح مع شهادات التعليم النظامي.
وفي هذا المجال فقد تم إيقاف عدد من الاختصاصات واتخاذ تدابير جديدة لضمان الإشراف الأكاديمي وكان في طليعتها تعيين مشرف أكاديمي على التعليم المفتوح في كل جامعة بمرتبة نائب رئيس الجامعة.
لكن هذا الأمر يقتضي المتابعة بإيجاد هيكلية إدارية وعلمية تساعد نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم المفتوح على ضوء زيادة إعداد الطلبة في هذا النمط التعليمي استناداً إلى المنطلقات التي بيّنت من حيث حاجة سوق العمل السوري إلى اختصاصات جديدة والرغبة الكبيرة عند أبناء المجتمع في الاطلاع والزيادة المعرفية بقصد الثقافة والعلم.
وقد يكون هذا الإجراء في تعيين نائب لرئيس الجامعة لشؤون التعليم المفتوح أكثر ملاءمة من الوجهة الأكاديمية من افتتاح جامعة للتعليم المفتوح مستقلة عن الجامعات القائمة، من حيث ضمان التبعية الأكاديمية، والضبط والاعتراف والاستفادة من الإمكانات، والتجهيزات والكوادر الجامعية، لكن هذا التعيين بهذه المرتبة لم يكمل المتطلبات الملحة الأخرى في تكوين التعليم المفتوح وإكمال مسيرته ولاسيما في:
1- إنشاء مجالس أقسام علمية لكل تخصص مفتتح مستقلة عن مجالس أقسام التعليم النظامي، يكون رئيس القسم المختص في التعليم النظامي عضواً في مجلس قسم التعليم المفتوح وفق الاختصاص لضمان التنسيق بين القسمين.
2- في موضوع افتتاح التخصصات لابد أن يكون هذا الإجراء مستنداً إلى دراسات موسعة تستند إلى إحصاءات وتحاليل لحاجة المجتمع إلى هذا التخصص من جهة والى دراسة لعدد المتقدمين في أنظمة المفاضلة لهذا الاختصاص والذين لم يقبلوا في الجامعات الحكومية وفق القدرة الاستيعابية التي وضعت لضمان نظام الجودة من جهة وعدم تجاوز نسب الطلبة إلى الأساتذة والى قدرة القاعات الدرسية من جهة أخرى.
3- اعتبار نظام التعليم المفتوح مشابهاً للجامعات الخاصة من حيث المنافسة بحكم أن الجهتين تتقاضيان رسوماً من طلبتها، مع الاختلاف في الطرائق التدريسية وتلك ميزة يمتاز بها التعليم المفتوح، إضافة إلى ما بيّنا آنفاً.
4- ان طبيعة التعليم المفتوح تتطلب التنسيق مع الجامعة الافتراضية فإن التعليم المفتوح في العالم كله يعتمد على التعليم عبر الشبكات العنكبوتية، وإذا كان هذا الأمر لم يوضع موضع التطبيق في بدايات التعليم المفتوح استناداً إلى تجربة الشقيقة مصر، لأن التعليم الافتراضي عبر الشبكات لم يكن منتشراً، فإن هذا الأمر لابد وان يوضع في برامج التعليم المفتوح خاصة بعد نجاح وتطور تجربة الجامعة الافتراضية السورية وأهمية انتشار استعمال الشبكة في التعليم بشكل عام.
استناداً إلى نظرية التعلم بدل التعليم.
وعليه فإن اقتراحاً بعقد اتفاقيات خاصة بين التعليم المفتوح والجامعة الافتراضية السورية لاختيار مادة أو أكثر من المقررات المتشابهة في الاختصاصات المختلفة، بحيث يتقدم طالب التعليم المفتوح بامتحان ذلك المقرر وفق نظام الجامعة الافتراضية.. وفي الاطلاع على تجارب الجامعات المفتوحة، بما فيه تجربة الجامعة العربية المفتوحة بفروعها المختلفة ما يغني في تدعيم هذه الفكرة.
5- اما في موضوع ضمان الجودة في تخصصات التعليم المفتوح، فإن الأمر يقتضي إيجاد هيئات متابعة ومراقبة علمية مشتركة تقوم بدراسة المناهج والمقررات وطرائق التعليم وكفاءة المدرسين ومدى تطابق الاختصاصات والمقررات المطلوبة مع التخصص العام على أن تكون هذه الهيئات من خارج الجامعة التي تعمل فيها، بحيث تكلف لجنة من جامعة تشرين بدراسة التعليم المفتوح في جامعة حلب أو الفرات وهكذا، مع وجود نائب رئيس كل جامعة في تلك اللجنة، على أن يصدر قرار تشكيل هذه اللجان من رئيس مجلس التعليم العالي.
6- بعد افتتاح القناة التعليمية بوزارة التربية وهو المشروع الهام في العملية التعليمية في سورية صار لابد من التعاون بين التعليم المفتوح وهذه القناة.
الأمر الذي سيحقق فوائد مشتركة لصالح طلبة التعليم المفتوح من جهة والمجتمع المستقبل للقناة من جهة أخرى من حيث زيادة الوعي العلمي والثقافي التخصصي عند إفراد المجتمع المستقبل، إضافة إلى اغناء برامج التعليم المفتوح في الكاميرا المتنقلة وقدراتها التصويرية التفصيلية سواء في التخصصات العلمية او الإنسانية.
7- ونقطة أخرى لابد من دراستها في إطار التوجه العام العالمي في التخلص من الأنماط التقليدية للتعليم العالي، واعتقد أن التعليم المفتوح هو المجال الأساسي لمثل هذا التخلص، وفي هذا المجال يمكن التعرض لموضوع إلزامية الدراسة لمدة أربع أو خمس سنوات للحصول على شهادة الليسانس أو البكالوريوس.
وإذا كان هذا الأمر قد تم في شكل بسيط في مراحل الدراسات العليا من حيث إلغاء مرحلة أو شهادة الدبلوم قبل الماجستير، فإن إمكانية تقليص مدة الدراسة في التعليم المفتوح إلى ثلاث سنوات بدلاً من أربع بالنسبة لليسانس معتمدين على نظام المقررات بدلاً من نظام السنوات، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن الجزائر التي استقبلنا رئيس وزرائها منذ أيام قد بدأت بتطبيق نظام L.M.D أي ليسانس- ماجستر - دكتوراه على أساس ثلاث سنوات لليسانس، مع إمكانية السماح بتقديم فحوص المقررات في النظام الصيفي.
الدكتورة فادية المليح حلواني